رســـالة من أســـير

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

يمّه .. يا أغلى أسم .. أكتب اليك من زنزانتي  و عيناك نجمتان تضيئان لي سرمد هذا الظلام .. كم أشتاق اليك .. مبارك عليك شهر رمضان الذي سيودع العالم مفسحا المكان للعيد .. و مبارك عليك العيد ايضا  يايمه ..

 تتناهى الى  أذناي أغنية العيد التي تذكرني بحوش بيتنا القديم ،  فأترنم  بها معك كما كنا نفعل هل تذكرين

صوت السهارى يوم مروا عليّه عصرية العيد / الصبر كاد وراح يسأل عليّه عصرية العيد

رمضانات و أعياد عديدة مرت يا يمّه و أنا بعيد عنكم  . و في كل مرة كنت أكتب اليك  .. غير متيقن من أنك ستقرأين ما أكتب .. و لكن شيء ما يحدثني بأن هذه الرسالة دون غيرها ستصل اليك .. و من رمضان الى عيد ، فعيد من  كل عام كنت أدعو الله أن يلمّ شملنا مجددا .. لا أريد ان أثير أحزانك هذه الليلة .. أقسم أني أكاد أشمّ رائحة دموعك .. و أترقب تدحرج حباتها في أخاديد وجهك كسيل مطر، مختلطة رائحتها بأريج أنفاسك .. دافئة كدفء روحك .. أكاد ألمح فيها انعكاس صورة وجهي .. كفي  عن البكاء و كفكفي دمعك

أدري .. انك  ستبكين حتما عندما تسعدين برؤيتي يوما ما .. في حياتك .. يا يمّه قولي : انشا لله .. و ابتسمي

يمّه ..

هل تصدقين .. نحن هاهنا و سجانونا .. سجناء على السواء .. لذا فلا توجد لدينا أي مساحة مفتوحة  للكره أو  الحقد .. هل تصدقين بأن أحدهم يدّس بيدي حبات التمر لافطاري .. تمر لذيذ كالتمر الذي تجود به النخلة  التي غرست بحوشنا القديم .. لكم حدثت عنها أصحاب زنزانتي هذه . . أقربهم اليّ العم أبو يوسف  .. الرجل الحافظ للقرآن .. رجل ستيني .. نعم الرجل هو .. فهو الذي يبثّ في أعماقي الثقة بالله دائما و هو الذي يوقد لي شعلات الأمل

له صوت ملائكي لو تسمعين ترتيله للقرآن  في جوف كل ليلة ،  و عند كل فجر ..  حينها تسود المكان هالة ايمانية و سكينة .. و يمتد صوته ليسد الأفق .. ألم يصلك صوته ؟!! .. أستيقظت ذات ليلة على أنينه .. كان يئن من ألم قديم لازال يعاوده  ،  و يشتدّ عليه ، فيقهره أبو يوسف بتلاوة سور من القرآن .. أخذت برأسه ووضعته على حجري .. أمسح عليه  طوال الليل .. و كلما تراخت أنفاسه أجذبه اليّ .. بصوت  أحاول قهر الفزع في داخله :" أبا يوسف ..   لا تسويها دخيك يا معود "..   فيهمهمّ  : أذكر الله يا  بني  ،  و يمضي يعلمني أدعية أتلوها و يقول لي : كن رجلا كما عهدتك .. أنك أبن  أناس طيبين .. لم يهدّهم الجزع أبدا

لقد أصبحت أحافظ على كل صلواتي .. يا يمّه .. تماما كما كنت تتمنين لي دائما .. تشهد بذلك أرضية هذه الأرضية الخشنة التي تأكل جباهنا اثناء السجود .. و تشهد بذلك الصفوف التي نرتبها خلف العم أبي يوسف .. أروع رسوم يصنعها أي رجل في حياته .. خطوط مستقيمة ،، و كانها رسمت بمسطرة  و أكتاف متلاصقة تحفها أنفاس  الملائكة

يمّه .. تحملني الذكريات هذه الليلة الى حوشنا القديم .... حيث يمتد بساطك الدافىء فيرتفع ليتربع على سطح النجوم .. و " دوة " الفحم يتوسدها أبريق الشاي المعدني الملون .. و جمرات الفحم المنتشية بغلبتها لذرات البرد التي تهب من اعلى الجدار .. جدار ذلك البيت القديم .. آآآآه .. من عينيك يا جدة .. ينبعث منهما دفء

آخر .. " الدّوة" و عيناك صنوان الدفء .. هاتان العينان اللتان لطالما احتضنتا حزني و فرحي و كتمتا أسراري .. لم اعرف أما سواك  بعد وفاة والدتي .. و لم أعهد حضنا كحضنك .. كنت أجري لأضع راسي به ،  فتغار مني أبنة أخي  الصغيرة  نوف .. فتأتي لتزاحمني عليه  ..  فأغيظها قائلا : ابتعدي فهذه أمي  فتسعى لازاحتي مرددة  : هذه أمي أنا . . كم كنت تضحكين .. و أنت ترددين : أنا أمكم جميعا .. نعم أنت أم الجميع .. أنك أيضا أم جميع أطفال الحي  .. تجعلين باب دارك مشرعا أمامهم  على الدوام .. آه  يا لرائحة الخبز الشهي الذي كنت تصنعين و عطر القهوة و الشاي .. يالروعة تلك الأطباق الرمضانية التي كنت تعدينها طوال الظهر ثم تبعثين بها قبل الآذان الى الجيران .. كانت أطباق المحبة التي تدور بين أحواش بيوت ذلك الحي و الحي الذي يليه و يليه .. احياء الوطن كلها  .. فهل ما زلتم تفعلون ذلك ؟

أنت .. يا يمّه .. مثلك كمثل جميع نساء الخليج .. العاملات بصمت .. يسافر الرجال . . ليسعى الرجال .. و قد كانت ألارض جدبى .. و كان الرزق بعيد

فكنتن تعملن بصمت و بشجاعة .. تقهرن الصبر و الفراق و الجوع .. كنتن تعملن بصمت من أجل الصغار .. كانت منكن من تصنع الخبز .. و كانت منكن من تربي الدجاج ..و كانت منكن من تخيط الثياب .. عملتن بصمت و خلقتن الحياة بصمت و دفعتنّها للمسير بصمت ..  و ها انتي الآن تعملين من أجلي بصمت .. ها انتي  تسعين لعودتي بصمت .. أعلم أن أملك لن ينطفى قط ..

أقسم أني أكاد أراك .. يا يمّه .. وسط مسيرة تحملين صورتي ، و تلوحين و تصرخين .. نحن لن ننسى الأسرى

سامحيني يا أمي فقد أخرجتك من دارك بهذه السن .. لتندفعي وسط الجموع و من يدري فربما قدّت هذه الجموع أنتي بايمانك و ثقتك بالله .. تطير عباءتك فتمتد ايدي الجموع للتشبث بها .. الطريق من هنا .. الطريق من هنا .. هم يعلمون ذلك تماما كما أنت تعلمين ..

أخبرت أبا يوسف بهذا .. فردد : أن هذه هنّ نساء الخليج .. ثم ذكر لي أن له زوجة مثلك يا جدة .. فأيقنت بأنها لا بدّ أن سارت بجوارك في مسيرة ما .. و ربما صرخت معك بنفس واحد من أجل عودتنا .. و ربما سحّت الدموع في ذات اللحظة التي خطرت لك و خطر لها أبو يوسف . ابحثي عنها فهي وحيدة .. ليس لها من ولد .. كانت و أبو يوسف كطائرين فريدين .. لم تفرق بينهما الأيام منذ زواجهما  منذ سنين .. و قد وجد الواحد منهما في الآخر سلوته و ملاذه .. حتى حبهما الشديد للأطفال لم يباعد بينهما و احتسبا ذلك لهما عند الله فقد رضيا بحكمه . ثم تأتي هذه المصيبة لتباعد بينهما على هذا النحو الموغل في القسوة

 يا يمّه .. أغد عيد .. ؟ عساك من عواده .. و لا تنسي أن تحتفظي يعيديتي لحين العودة .. اجمعيها لي  و

غدا عندما تجتمع الأسرة بعد صلاة العيد سأكون روحا تندّس بينكم .. تحييكم و تصافحكم .. و تتنعم بالسلام في ظلالكم . أبدا لن تمنعني هذه الأسوار .. أسوار الأسر و المسافة و الزمن .. اذا دعيني أسعد بابتسامتك العذبة .. دعيني أسمع دعواتك لي

يمّه .. ضميني و قبلي جبيني ..  فلتشرق شمس الحرية ، و ليسود السلام العالم

 



 

 

 

 

 

 

 


Free Join Now
Click Here!

95 x 95 v2








 

 

 

 

 

 










 

هذه الرسالة مشاركة من 
الجنوبــــيه



HOME